المناوي
11
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
فاسلك سبيل أصحاب اليمين ، وإيّاك ومسلك أهل الشّمال والظّالمين ، فاللّه تعالى لا يسألك عن إنكار أحوالهم - وإن كانت غير صحيحة - بل يسألك عن إنكارها - إن كانت صحيحة - فطريق الحزم والتّقوى أن يسلم رأسا برأس ، وإن لم تظفر بحسنة الظّنّ والإيمان . ولا زال أهل العلم والأخيار والأكابر يلتمسون لكلام أهل هذه الطائفة أحسن المخارج ، لعلمهم أنّ بعض كلامها يرتقي عن دائرة العقول ، ويشذّ على ظواهر المنقول ، فإمّا تأويل حسن ، وإمّا ظنّ حسن . قال الشيخ الجليل الوليّ الصالح الشيخ عزّ الدّين يوسف بن الواسطي جدّد اللّه عليه رحمته ورضوانه ، وضاعف فضله وإحسانه : كان بناحية قوص « 1 » وال ، أحسبه قال : يقال له الطنبغا ، وكان يزور الشيخ الإمام أبا الحجّاج الأقصريّ رضي اللّه عنه ، فسمعه وقتا يقول : جاء في الحديث : « من آذى وليّا للّه تعالى فكأنّما هدم الكعبة سبعين مرّة » « 2 » ، فاستعظم ذلك الوالي هذا الكلام ، ثم اجتمع بالشّيخ مجد الدّين ، والد الشيخ تقي الدّين ابن دقيق العيد رضي اللّه عنه ، وكان من العلماء الأكابر ، فقال له : يا سيّدي ، أريد أن تذهب معي إلى زيارة الشّيخ أبي الحجّاج ، فذهبا جميعا ، فلمّا حضر مجد الدّين عند الشّيخ أبي الحجّاج ، قال ذلك الوالي للشّيخ مجد الدّين : يا سيّدي ، هل جاء في الحديث : « من آذى وليّا للّه تعالى فكأنّما هدم الكعبة سبعين مرّة » ؟ قال : فقال الشّيخ مجد الدّين : أمّا هذا فلا أعلمه ، لكنّي أعلم في هذا الباب ما هو أعظم من هذا ، ثبت في الحديث الصّحيح : « من آذى وليا للّه تعالى فقد حارب اللّه تعالى » « 3 » ، وأين محاربة اللّه تعالى من هدم الكعبة ! ؟ ، فقال إذ ذاك الشّيخ أبو الحجّاج رضي اللّه
--> ( 1 ) قوص مدينة كبيرة عظيمة واسعة ، قصبة صعيد مصر . معجم البلدان 4 / 413 . ( 2 ) لم أجده في المصادر التي بين يدي ، وسيقول الشيخ مجد الدين في نهاية الخبر : أما هذا فلا أعلمه . ( 3 ) لم أجده في المصادر التي بين يدي بهذا اللفظ ، وقد مر حديث : « من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب » انظر تخريجه 1 / 3 ، 45 .